في ذكراه.. أمير عبدالماجد يكتب: محمد ميرغني.. جاد الزمان عطر ليلتنا بالأفراح

كنت كغيري استمع إلى أغنيات محمد ميرغني التي تصلني هنا وهناك أغنيات مكتملة هنا وشذرات هناك لكنه كان يعجبني تربينا على شجنه وحنينه (مين فكرك يا حبيب..مين الهداك إلي) و (الجاني منك ومن تباريح الهوى وصفه بصعب يا جميل) .. و(لسه خطاك تسري في تقاسيم جميلة وانت زي ما انت قبل سنين طويلة) و(ما بنساك.. وما بقدر..
ولا عايز بعد حبك أحب تاني) وما بخلص الزول المسكون بالجمال ده (ضمتنا جلسة ريد نستنا دنيا الناس لا شفنا فيها ملل ولا طاف علينا نعاس) عجيب في اختيار مفرداته وفي اختيار اللحن وجميل َمختلف في اداءه للدرجة التي تشعر معها باختلافات جوهرية عندما يرددها فنان غيره.. ابنعوف بغني من قلبه..
كان التلفزيون يبث له اغنية (اشتقت ليك) كثيرا حتى انها طبعت في ذاكرتي بلوكيشن غناء محمد ميرغني لها في استديوهات التلفزيون وقتها.. تعرفت به بعد التحاقي بالصحف وتحديداً فترة عملي بصحيفة ( الحياة والناس) في بدايات عملي الصحافي وكنت أكتب على اخيرتها عموداً يومياً بعنوان (الحيشان التلاتة) والمقصود بالحيشان التلاتة كما يعلم أهل الفن والاعلام حيشان الاذاعة والتلفزيون والمسرح ولاحقا اضفت حوش رابع من عندي اسميته (الحوش العشوائي) أملته على الضرورة لانني كنت بعد أن اتحدث عن الاذاعة والتلفزيون والمسرح احتاج لمساحة مختلفة اتناول خلالها المطربين وسوق الكاسيت وبعض المتفرقات.. المهم ربما اخطأت في اختيار عنوان الحوش عندما اسميته العشوائي ربما لم يكن مناسبا لكن هذا ماحدث.. كنت أكتب فيه بعض ملاحظاتي ويبدو انني اشرت إلى الاستاذ محمد ميرغني أكثر من مرة فارسل غاضباً ومعاتباً عبر الصديق حسن يوسف المعروف بحسن بري وكان حسن شريكاً لمحمد ميرغني في شركة انتاج فني اسمها ( انغام).. اخبرني حسن بري ان محمد ميرغني غاضب فقلت ساتي واعتذر منه.. انا احب اغنياته جدا… وبالفعل ذهبت إلى شركة انغام في اليوم التالي وكانت المرة الأولى التي التقي فيها هذا العملاق.. رجل بسيط على عمقه .. فنان في كل شيء ويحب القفشات لكنه في كل الاحوال يملك جدية المعلم التي اكتسبها من عمله بالتعليم.. أول ماعرف انني صاحب الحيشان نفض يده عن صحن الفول الذي امامنا وقال ( اشمعني انا الزول الوحيد الما بتكتب عنو الا في الحوش العشوائي).. معقول ياخ الناس كلها في حوش الاذاعة وحوش التلفزيون الا محمد ميرغني في الحوش العشوائي … قلت له هل تعلم من هم اصدقائي في الوسط الان.. ساعطيك اسم احدهم … محمود عبدالعزيز هل تعلم انه من اصدقائي المقربين وممن اعتقد انهم اضافة كبيرة لخارطة الغناء ببلادنا؟ … قال سمعت بذلك … قلت محمود موجود دائما في هذا الحوش العشوائي.. حاشاك أن اصفك بالعشوائي انت رجل معلم و لست صوتا عابرا أو مجرد مطرب انت راسخ في وجدان السودانيين .. عاد بعدها وضرب معنا الفول ومن يومها أصبحت علاقتي به قوية وكنت ازوره كلما وجدت فرصة لزيارته والتقيته بعدها في الاذاعة الرياضية وكان يعمل ضمن طاقمها وقياداتها .. رجل بحراوي جدا وصاحب قلب ابيض يمكنك ان تهدئ غضبه بكلمة.. كنت كثير المشاغبات معه رحمة الله عليه وكانت لديه عصا غليظة يتكيء عليها ويستعملها في ردع المناكفات.. كنت اتيه واساله هل سمعت صوت المطرب فلان.. يقول لا.. مشكلته شنو ..؟ ماعندو مشكلة لكن سمعتو الاسبوع الفات بغني حنيني اليك تحلف تخليها ليهو .. تقول لي محمد ميرغني بعرف يغنيها.. عندها اكون في الغالب مستعدا للركض لانه لن يتركني .. سيطاردني بعصاته رغم انه يعلم انني احب صوته واغنياته واشاغبه فقط … اذكر انني كنت عضوا في لجنة أماسي بحري التي لم يكتب لها ان تقام .. كنت مترددا في المشاركة باجتماعات اللجنة لانني كنت اري ان نشاطا كهذا لا يجب ان تنظمه وزارة الثقافة بل هو من صميم عمل المؤسسات الابداعية المجتمعية والفنية وان الوزارة دورها ان تسند منظمات المجتمع المدني والا تتحول هي إلى متعهد حفلات .. المهم عندما علمت ان اللجنة تولي في مرحلة ما قيادتها الاستاذ محمد ميرغني ذهبت إلى الاجتماع … اول ماقعدت قال ليهم الزبون ده عرفني بقيت رئيس اللجنة جاي يخليني استقيل.. ثم التفت إلي وقال لي ( انا يا اخوي قاعد ما تتعب نفسك وما بتقدر على) قالها وهو يضحك.. بدا الاجتماع وصادف ان اللجنة اختلفت في اسم احد المطربين الشباب هل هو صاحب صوت جيد ام لا لم اسمع به ولم استمع له واعتقد ان معظمهم لم يسمع به من قبل.. سال محمد ميرغني المجتمعين ياجماعة في زول سمع الزول المقترح ده قبل كده ..؟ صمت الجميع فقلت نعم انا استمعت له.. سالوني صوته كيف …؟؟ قلت ليهم غايتو لما يقول اشتقت ليك بتحس انو الاغنية دي حقتو بغنيها أحسن من سيده … هاج محمد ميرغني وقال ليهم مش قلت ليكم جاي يجنني ويخليني استقيل وحاول النهوض بسرعة فتعثر ومسكوهو .. قال ليهم لاسمعو لا بعرفو كضاب ساي الولد ده دي عادتو عايز يرفع ضغطي بس … اكتبو يرفض لانو مافي زول عرفو.. بعد الاجتماع الجماعة جو لقوهو قاعد معاي في العربية بره واخر ونسة وضحك قالوا ليهو يا استاذ انت الزول ده ما قلت مابخليهو .. قال ليهم ايوه ما انا هسي ماخليتو بحكي ليهو في نكات بايخة وبجبرو يضحك.. رحمة الله على استاذنا محمد ميرغني … فنااااان ومرهف وساخر … كانت علاقتي معه سبحان الله مختلفة … اشاكسه فلا يغضب .. لم انتقده يوما للحق فقد كنت معجبا به .. وباغنياته.. كنت اساله هل كتبت كل هذه الأغاني في زولة واحدة ؟؟ … فلا يجيب … على اختلاف الشعراء نهجه في الحنين والشجن موحد … كان يعلم انني احفظ أغنياته عن ظهر قلب وانني معجب قديم .. هكذا كان يقولها.. خلوهو ده تربية صوتي.. رحمة الله عليه.. مرت ذكراه علينا الايام الفائتة وكان غادر دنيانا في مدني بعد اجلاءه من الخرطوم بحري.. جزاه الله عنا وعن محبيه خير الجزاء.. ترك لنا ارثا جميلا كجمال ابنعوف ملك الشجن والحنين.