ازاهر حسن المصري تكتب: بربر .. بين عمق التاريخ وضرورة استرداد الحق

بربر .. بين عمق التاريخ وضرورة استرداد الحق
ازاهر حسن المصري
تُعد بربر واحدةً من أعرق مدن السودان على ضفاف النيل، مدينةً ذات تاريخ ضارب في القدم، وإسهامٍ مشهود في الزراعة والتجارة والحراك الوطني. غير أن هذه المدينة، على امتداد الحقب الحكومية المتعاقبة، عانت تهميشاً واضحاً، وتراجعاً في نصيبها من التنمية والخدمات، حتى غدت حقوقها عرضةً للانتقاص، وأرضها مجالاً للتمدد الإداري دون مراعاةٍ كافيةٍ لحدودها ومصالح أهلها.
ومن أبرز مظاهر هذا الواقع ما شهده المجال الجغرافي لبربر من تمددٍ لمدينة عطبرة في اتجاه أراضٍ زراعية وسكنية تُحسب تاريخياً ضمن نطاق بربر. وقد ارتبط هذا التمدد بقيام مشروعات استراتيجية مهمة، مثل مشروعات الأمن الغذائي، والمنطقة الصناعية، ومطار عطبرة. ولا خلاف حول أهمية هذه المشروعات للاقتصاد القومي، غير أن الإشكال الجوهري يكمن في آلية تنفيذها، وفي تغييب أهل الأرض عن القرار، وفي غياب شراكة عادلة تضمن لبربر نصيبها المشروع من العائد التنموي.
لقد كانت تلك الأراضي الزراعية مصدر رزقٍ لأسرٍ عمرتها لعقود طويلة، وأسهمت في رفد الأسواق بالمحاصيل والثروة الحيوانية. لكن التحولات الإدارية والاستثمارية جرت في كثيرٍ من الأحيان دون مشاورةٍ كافية، أو تعويضٍ عادل، أو تمثيلٍ حقيقي لمجتمع بربر في التخطيط والتنفيذ. وهنا يتجلى السؤال المشروع: كيف تُقام المشروعات على أرضٍ معينة، بينما يُحرم مجتمعها من ثمارها المباشرة؟
ماذا يضير لو سمى مطار بربر ؟ ماذا يضير لو سميت المنطقه الصناعية بربر؟ ماذا يضير لو سميت ذادى ون بربر ؟
إن التنمية لا ينبغي أن تكون سبباً في إضعاف مدينةٍ لصالح أخرى، بل يجب أن تقوم على مبدأ التكامل. فالعلاقة بين بربر وعطبرة علاقة جوارٍ وتاريخٍ ومصالح مشتركة، ولا يصح أن تتحول إلى معادلةٍ صفريةٍ يربح فيها طرفٌ ويخسر الآخر. العدالة التنموية تقتضي وضوح الحدود، وتوثيق الحقوق، وضمان توزيعٍ منصفٍ للفرص
غير أن ما زاد من تعقيد المشهد هو حالة الصمت الطويل التي لازمَت قضية بربر. فالسكوت عن الظلم – مهما كانت دوافعه – يمنحه مشروعيةً ضمنية، ويُضعف الموقف القانوني والأخلاقي لأصحاب الحق. إن الحقوق التي لا يُطالب بها أهلها تتآكل تدريجياً، وتتحول إلى أمرٍ واقعٍ يصعب تغييره مع مرور الزمن.
ومن هنا يجب علينا (اهل بربر) التحول من الشكوى المتفرقة إلى موقفٍ موحدٍ ومنظم. إن المرحلة تتطلب توحداً حقيقياً بين مكونات مجتمع بربر كافة: الإدارات الأهلية، والنخب الأكاديمية، والمزارعين، والشباب، ورجال الأعمال، والمرأة. فالقضية ليست فردية، بل هي شأنٌ عام يمس حاضر المدينة ومستقبل أجيالها.
إن المطالبة بالحق لا تعني خصومةً مع مدينةٍ أخرى، ولا خروجاً على مؤسسات الدولة، بل هي ممارسةٌ مشروعةٌ يكفلها القانون، وتؤكدها مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية. ويمكن ترجمة هذه المطالب عبر إعداد ملفات قانونية موثقة، وخرائط رسمية، ومذكرات تُرفع إلى الجهات المختصة على مستوى الولاية والاتحاد، مع تفعيل دور الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في تسليط الضوء على القضية بصورةٍ مسؤولةٍ ومتزنة.
إن بربر تستحق إنصافاً يوازي تاريخها وإسهامها الوطني. فهي عمقا جغرافياً، وهى رقماً لا يمكن تجاوزه في معادلة التنمية. وإذا كانت التنمية هدفاً وطنياً جامعاً، فإن عدالتها شرطٌ لدوامها واستقرارها.
إن الرسالة اليوم واضحة: وحدة الصف، ووضوح الرؤية، والتحرك القانوني المنظم، هي السبيل لاستعادة الحقوق وترسيخ الشراكة العادلة. فالصمت لم يعد خياراً، والتاريخ لا يرحم المتقاعسين عن صون أرضهم وحقوقهم.وبربر بما تمتلكه من وعى وتاريخ وصبر -قادره على ان تستعيد صوتها ومكانتها ٫ متى ما آمنت ان العداله لا تمنح ٫بل تنتزع باراده واعية وجماعية.