الرأي والتحليلات

أزاهر حسن المصري تكتب: صرخة الأرض.. وقفة جمعية بربر الزراعية بين حقٍ أصيل وظلمٍ واقع 

صرخة الأرض: وقفة جمعية بربر الزراعية بين حقٍ أصيل وظلمٍ واقع

أزاهر حسن المصري

في مشهدٍ يجسد عمق الارتباط بين الإنسان وأرضه، نظّمت جمعية بربر الزراعية وقفةً احتجاجيةً سلمية عبّرت فيها عن رفضها القاطع لقرار نزع أراضيها لصالح شركة “زادنا العالمية”. لم تكن الوقفة مجرد تجمعٍ عابر، بل كانت شهادةً حية على ثلاثين عاماً من العطاء المتواصل، والعمل الدؤوب، والانتماء الصادق للأرض التي رووها بعرقهم قبل ماء السواقي.
إن الأرض في وجدان المزارع ليست مجرد مساحةٍ جغرافية، بل هي تاريخٌ وهوية، وذاكرةُ أجيالٍ تعاقبت على الزراعة والبناء والإنتاج. لأكثر من ثلاثين عاماً، ظل مزارعو بربر يعمرون هذه الأراضي، يحولونها من مساحاتٍ جرداء إلى حقولٍ خضراء تُسهم في دعم الاقتصاد المحلي، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الأمن الغذائي. لم ينتظروا دعماً استثنائياً، ولم يتكئوا على امتيازات، بل صنعوا واقعهم بسواعدهم، واستثمروا جهدهم ومواردهم في تطويرها.
غير أن قرار نزع الأرض لصالح شركة “زادنا العالمية” جاء كالصاعقة، متجاهلاً تاريخ الاستصلاح، ومغيباً لحقوقٍ مكتسبةٍ أقرها العرف والاستثمار الطويل والاستقرار الفعلي في الأرض. إن أي إجراءٍ يمس حقوق المزارعين يجب أن يستند إلى أسسٍ قانونيةٍ عادلة، ومشاوراتٍ شفافة، وتعويضاتٍ منصفة، لا أن يُفرض كأمرٍ واقعٍ يُقصي أصحاب الأرض ويهدر سنواتٍ من العمل والتضحيات.
لقد حملت الوقفة الاحتجاجية رسالةً واضحة: لسنا ضد الاستثمار، ولسنا عقبةً أمام التنمية، لكننا نرفض أن تكون التنمية على حسابنا، أو أن يُختزل مفهومها في نقل الأرض من يدٍ زرعتها وأحيتها إلى جهةٍ أخرى دون اعتبارٍ لحقوق القائمين عليها. التنمية الحقيقية تقوم على العدالة، وعلى إشراك أصحاب المصلحة، وعلى تحقيق التوازن بين رأس المال والإنسان.
إن ما يطالب به مزارعو بربر ليس امتيازاً خاصاً، بل حقاً أصيلاً في الأرض التي عمروها، واستقروا فيها، وبنوا حولها حياتهم ومصادر رزقهم. وهم إذ يرفعون صوتهم اليوم، فإنهم يفعلون ذلك في إطارٍ سلميٍ حضاري، مؤكدين ثقتهم في مؤسسات الدولة، ومطالبين بفتح حوارٍ جادٍ يفضي إلى حلولٍ عادلة تحفظ الحقوق، وتصون كرامة المزارع، وتؤسس لتنميةٍ لا تُقصي أحداً.
إن الوقفة الاحتجاجية لجمعية بربر الزراعية ليست حدثاً معزولاً، بل هي اختبارٌ حقيقي لمبدأ سيادة القانون، ولمدى التزام الجهات المعنية بالعدالة والشفافية. فالأرض التي تُنتزع بلا إنصاف تترك جراحاً في النفوس قبل أن تُحدث خللاً في الحقول، والعدل وحده هو الكفيل بأن يحفظ الاستقرار ويعزز الثقة بين المواطن ومؤسساته.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل تُستجاب هذه الصرخة فيُعاد الحق إلى نصابه، أم يستمر النزاع بما يحمله من آثارٍ اجتماعيةٍ واقتصادية؟ الإجابة مرهونةٌ بإرادةٍ تُغلب العدل، وتُنصف من جعلوا من الأرض حياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى